الآلوسي

118

تفسير الآلوسي

فيما جرى عليه من شؤون التكوين المانعة عن القول المذكور وهو السر في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان على ما قيل . والهمزة للإنكار التوبيخي وهي على أحد المذهبين المشهورين في مثل هذا التركيب داخلة على محذوف معطوف عليه ما بعد والتقدير ههنا أيقول ذلك ولا يذكر * ( أَنَّا خَلَقْنَاهُ منْ قَبْلُ ) * أي من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه ، وقيل : أي من قبل بعثه * ( وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) * أي والحال أنه لم يكن حينئذ موجوداً فحيث خلقناه وهو في تلك الحالة المنافية للخلق بالكلية مع كونه أبعد من الوقوع فلأن نبعثه بإعادة ما عدم منه وقد كان متصفاً بالوجود في وقت على ما اختاره بعض أهل السنة أو بجمع المواد المتفرقة وإيجاد مثل ما كان فيها من الاعراض على ما اختاره بعض آخر منهم أيضاً أولى وأظهر فما له لا يذكره فيه فيما يقع فيه من النكير ، وقيل : إن العطف على يقول المذكور سابقاً . والهمزة لإنكار الجمع لدخولها على الواو المفيدة له ، ولا يخل ذلك بصدارتها لأنها بالنسبة إلى جملتها فكأنه قيل ، أيجمع بين القول المذكور وعدم الذكر : ومحصله أيقول ذلك ولا يذكر أنا خلقناه الخ . وقرأ غير واحد من السبعة * ( يذكر ) * بفتح الذال والكاف وتشديدهما ، وأصله يتذكر فادغم التاء في الذال وبذلك قرى أبي . * ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ) * * ( فَوَرَبِّكَ ) * اقسامه باسمه عزت أسماؤه مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتحقيق الأمر بالإشعار بعلته وتفخيم شأنه عليه الصلاة والسلام ورفع منزلته * ( لَنَحْشُرَنَّهُمْ ) * أي لنجمعن القائلين ما تقدم بالسوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم أحياء ، وفي القسم على ذلك دون البعث إثبات له على أبلغ وجه وآكده كأنه أمر واضح غني عن التصريح به بعد بيان إمكانه بما تقدم من الحجة البالغة وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال ، وكون الضمير للكفرة القائلين هو الظاهر نظراً إلى السياق وإليه ذهب ابن عطية . وجماعة . ولا ينافي ذلك إرادة الواحد من الإنسان كما لا يخفى . واستظهر أبو حيان أنه للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم * ( وَالشَّيَاطينَ ) * معطوف على الضمير المنصوب أو مفعول معه . روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين كانوا يغوونهم كل منهم مع شيطانه في سلسلة ، ووجه ذلك على تقدير عود الضمير للناس أنهم لما حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا معهم جميعاً على طرز ما قيل في نسبة القول إلى الجنس ، وقيل : يحسر كل واحد من الناس مؤمنهم وكافرهم مع قرينه من الشياطين ولا يختص الكافر بذلك . وقد يستأنس له بما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً " ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن قالوا : وإياك يا رسول الله قال : وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فاسلم فلا يأمرني إلا بخير " * ( ثُمَّ لَنُحْضرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جثيًّا ) * باركين على الركب ، وأصله جثوو بواوين فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين فكسرت الثاء للتخفيف فانقلبت الواو الأول ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء وكسرت الجيم اتباعاً لما بعدها . وقرأ غير واحد من السبعة بضمها وهو جمع جاث في القراءتين ، وجوز الراغب كونه مصدراً نظير ما قيل في بكى وقد مر ، ولعل إحضار الكفرة بهذه الحال إهانة لهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من الشدة .